الحلقة الأولى :

عملية الخط الشرقي ( معبر كارني )

جاءت هذه العملية بعد نشاط مميز ، وجهود مضنية لخليتنا التي كانت تعمل تحت اسم كتيبة الشهيد ياسر النمروطي _ رحمه الله _ والتي قامت خلال فترة وجيزة بخطف أكثر من عشرة عملاء ، والتحقيق معهم ، وإعدام من يستحق الإعدام ، والإفراج عن البعض منهم .

لفت هذا النشاط الملحوظ انتباه الأخ المجاهد / عماد عقل _ رحمه الله _ فطلب مقابلة مسئول الخلية _ وكنت حينها مسئولاً عنها _ وعندما التقيت به في منزلي طلب مني أن أعمل بالتنسيق المباشر معه فقط فيما يتعلق بالعمل العسكري ضد قوات الاحتلال ، وأن أترك العمل تماماً في مجال مكافحة العملاء والمتعاونين ، ولم نكن نملك يومها سوى قطعة سلاح قديمة جداً من نوع " كارلوستاف " وبعض الخناجر ، وقد شرحت له ذلك ، فوعدني بأن يحضر لي أربع قطع سلاح من نوع " كلاشن كوف " وكمية من الذخيرة ، وبالفعل أحضر لنا السلاح بعد فترة وجيزة ، فقمنا سوية بتنظيف هذه البنادق بمنزلي ، ومن ثم جهزناها تماماً للعمل ، ويومها قام الأخ عماد بتدريبي على هذا النوع من السلاح ، وأمرني بأن أقوم بتدريب باقي أفراد خليتي ، وهم : الأخ المجاهد / م د ، والأخ المجاهد / ب ز ، والأخ المجاهد / م ع ، وبالفعل قمت بتدريبهم على تفكيك السلاح وتركيبه وتنظيفه ، واتفقنا على أن أقوم بتدريبهم على إطلاق النار في إحدى البيارات قرب منطقة " أم الليمون " ليلاً ، وتم ذلك بالرماية على شواخص وهمية للتصويب عليها .

كنت أدربهم على الرماية حتى طلوع الفجر ، ثم ننسحب ونضع سلاحنا في مخازن أعدت خصيصاً في باطن الأرض لهذا الغرض .

التقيت بالأخ / عماد _ رحمه الله _ وكان سعيداً جداً حين أخبرته أنني قد أنهيت المهمة على خير وجه ، وخلال لقائي أخبرني أنه ينوي القيام بعملية نوعية ضد قوات الاحتلال الصهيوني ، وبدون تردد جلسنا للتخطيط لهذه العملية ، واتفقنا على القيام برصد الهدف المطلوب ، وتأمين خط الانسحاب ، واستكشاف موقع العملية ، وتجهيز السلاح اللازم لتنفيذ العملية ، وقد قمت بمساعدة أفراد خليتي بإتمام كل هذه الأمور وتجهيزها ، وكانت خطة العملية كالتالي :

أولاً / خطة التنفيذ العسكرية :

تم الاتفاق مع الأخ عماد _ رحمه الله _ على أن تكون خطة التنفيذ هي تجاوز الهدف بعربة حصان نستقلها نحن ، ونكون بأسلحتنا المغطاة على أهبة الاستعداد والجاهزية ، وعندما يقترب الهدف ، ويتجاوزنا بخمسة أمتار ، نقوم بإطلاق النار بعد أن نأخذ إشارة البدء من الأخ عماد ، حتى إذا ابتعد عنا يكون قد انصلى بنيران أسلحتنا ونحن متمكنون منه عن قرب وبشكل مباشر ، حيث إننا أعلى من الجيب العسكري ونسير بجانب الطريق الذي يمر عليه الهدف .

بعد إتمام العملية يكون في انتظارنا سيارتان : الأولى من نوع " 305  " يستقلها الأخ عماد ، وينسحب بها بمفرده ، حيث قاعدته ومكانه الذي لا نعرفه ، وأما السيارة الثانية فكانت من نوع بيجو " 404 " أستقلها أنا وباقي أفراد خليتي ، وننسحب إلى قاعدتنا ، وقد كان سائق سيارة الأخ عماد _ رحمه الله _ هو الأخ  م أ ، وأما سائقنا فكان الأخ منذر الدهشان _فك الله قيده .

ثانياً / الهدف المطلوب :

كان الهدف هو عبارة عن جيب عسكري تابع لما يسمى بحرس الحدود الصهيوني ، وكنا نقصد هذا الهدف بالذات ؛ لممارساته القذرة والتي تصاعدت وتيرتها في تلك الفترة ضد أبناء شعبنا ، حيث العربدة ، والترويع ، والإرهاب الذي كانت تمارسه هذه الوحدات ضد أبناء شعبنا ، وقد كان هدف العملية هو القضاء الكامل على أفراد الجيب وخطف أسلحتهم ما أمكن.

ثالثاً / تجهيز السلاح اللازم للعملية :

 تم الاتفاق على اختيار قطعة سلاح من نوع " إم 16  " يحملها الأخ عماد _ رحمه الله _ وثلاث بنادق من نوع " كلاشن كوف " مع المجاهدين الثلاثة الآخرين ، على أن يحمل كل مجاهد مخزنين من الذخيرة ، ويحمل الأخ عماد _ رحمه الله _ لوحده ستة مخازن ، وتم كذلك تجهيز عربة الحصان ، بالإضافة إلى سيارتين وسائقين محترفين .

رابعاً / مكان تنفيذ العملية :

يقع مكان تنفيذ العملية على رأس الشارع المحاذي للخط الشرقي لمدينة غزة ، المتجه غرباً نحو مسجد مصعب بن عمير الذي اتفقنا على أن يكون بمثابة خط الانسحاب بعد تنفيذ العملية ، وقد تم كذلك تحديد زمن العملية بناءً على الرصد الدقيق للهدف ، حيث تم اختيار يوم الجمعة المبارك تيمناً بهذا اليوم الفضيل ، وكذلك بسبب خلو الخط الشرقي من السيارات العسكرية وسيارات المستوطنين الصهاينة في يوم الجمعة ، أما فيما عدا يوم الجمعة فإن هذا الخط يعد طريقاً استراتيجياً بالنسبة للعدو الصهيوني ، وعلى أي حال فقد كان قصدنا وهدفنا هو الجيب العسكري التابع لحرس الحدود بعينه والتمكن من القضاء على من فيه من الجنود والاستيلاء على أسلحتهم .

خامساً / تنفيذ العملية :

بعد إتمام كافة متطلبات العملية جاء القرار حاسماً من الأخ القائد عماد_ رحمه الله _ بأن غداً الجمعة الساعة السادسة والنصف تماماً سيكون اللقاء مع أعداء الله والإنسانية ، وطلب منا تجهيز أنفسنا والاستعداد التام ، وأوصانا بالاستعانة بقيام الليل وكثرة الدعاء والتوجه إلى الله والتذلل إليه واستجداء النصر والتمكين منه وحده ، ثم تركنا ليلة الخميس ، وانصرف إلى ربه يطلب منه العون والتأييد .

بتنا ليلتنا _ أنا وأفراد خليتي _ في حوش كبير ومهجور مصلين مبتهلين متضرعين إلى الله جلّ شأنه ، فهذه هي العملية الأولى لنا فلها بالتأكيد وقع كبير على نفوسنا ، سيما وأننا مع أحد أعظم رجال الجهاد والمقاومة في تاريخ فلسطين المعاصر .

نودي للصلاة من فجر الجمعة ، فسعينا إلى ذكر الله ، وأدينا الصلاة في جماعة ، ثم أخرجنا السلاح المعد لتنفيذ العملية وتفقدناه جيداً ، وتفقدنا أمشاط الذخيرة رصاصة رصاصة ، كل هذا وألسنتنا تلهج بالدعاء ، وبذكر الله ، والإلحاح عليه أن يوفقنا ويحقق لنا الظفر والنجاح في عملنا هذا ، وأن يجعله خالصاً لجلال وجهه الكريم ، وأن يتقبلنا شهداء صادقين مقبلين غير مدبرين .

مكثنا على حالنا هذا حتى طلوع شمس يوم الجمعة ، فشددنا الأحزمة وامتشقنا سلاحنا وصرنا على أتم الاستعداد لخوض المعركة ، وبعد أن أدركنا الموعد المحدد انطلقنا ، نحمل بنادقنا على أكتافنا ، وأرواحنا على أكفنا ، ولسان حالنا يردد قول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون " الأنفال 45

أقبل إلينا القائد الهمام ، الفارس المقدام ، الأسد الهصور بطلعته البهية ووجهه المشرق بنور الإيمان ، كله ثقة ويقين بنصر الله ، تعلو وجهه الابتسامة المعتادة الساخرة بأعداء الله ، وكأنه في نزهة ، أو رحلة صيد .

أقبل القائد عماد _ رحمه الله _ وسلم علينا ، وأخذ يشحذ فينا الهمم ، ويقوي فينا العزيمة ، ثم أمرنا بأن يأخذ كل واحد منا موقعه ويجهز بندقيته .

امتطينا عربة الحصان وانطلقنا على اسم الله ، وقد سبقنا أخوانا السائقان بسيارتيهما ؛ ليكونا على أتم الاستعداد لتأمين انسحابنا بعد تنفيذ العملية .

وصلنا إلى المكان المحدد للعملية ، وهنا يصعب على المرء أن يصف بقلمه هول الموقف وصعوبته ، خصوصاً وأننا أمام  أول تجربة جهادية في حياتنا ، ويجب أن نثبت جدارتنا فيها ، ونحقق هدفنا ، ومما زاد من روعنا وجود الأخ عماد بيننا فهو المطلوب رقم واحد ، وقد كان كل همنا هو النجاح في العملية أولاً ، وتأمين حياة القائد عماد ثانياً ، فقد كنا نخشى أن يحدث له مكروه في أول عملية لنا معه ، خصوصاً وأن الأخ عماد كان يبني آمالاً كبيرة على خليتنا هذه ، والحقيقة أنها كانت مسئولية كبيرة ملقاة على عاتقنا ، فقد كنا حريصين أشد الحرص على نجاح هذه العملية .

كنت أسوق الحصان وخلفي باقي أفراد الخلية ، وكل واحد منا يضع يده على سلاحه المغطى تحت بطانية من الصوف ، وأخذنا نسير على رصيف الخط الشرقي قريبين من خط الانسحاب بحوالي مائة متر ، وقد أخذنا نسير شمالاً وجنوباً بانتظار مجيء الهدف ، واستمر هذا الحال حوالي ربع ساعة ، وهنا تملكنا خوف شديد بسبب تأخر الهدف ، ووجودنا في مكان أشبه بالثكنة العسكرية فتلك المنطقة تعج بمعسكرات العدو الصهيوني ، وهنا قررنا وضع خطة ميدانية بديلة عن الخطة المقررة ، وتقضي بالاستغناء عن عربة الحصان ، وآثرنا عدم الانسحاب أبداً ، ولو استدعى ذلك ضرب أي هدف للعدو يمر من هناك ، فأصدر القائد عماد أمره بأن نأخذ مواقع أرضية بين أشجار الزيتون المطلة على الشارع العام ، وكلف الأخ أحد أفراد الخلية باستكشاف الآليات الإسرائيلية القادمة من مسافات بعيدة ، وعند مشاهدة أي آلية للعدو عليه يعطينا إشارة للاستعداد ، ثم يأتي مسرعاً ليأخذ موقعه مع إخوانه ليشارك في إطلاق النار ، وما هي إلا لحظات حتى أقبلت سيارة شرطة كبيرة " ترانزيت " ، فأعطى الأخ المكلف بالمراقبة إشارة الاستعداد ، ثم أخذ موقعه معنا ،  وعندما اقتربت منا سيارة الشـرطة استقبلناها بوابل من الرصاص ينطلق من فوهات بنادقنا  ، وبصرخات " الله أكبر " تنطلق من حناجرنا .

ظل أزيز الرصاص يمتزج بصرخات الله أكبر ، والجنود يصطرخون داخل سيارتهم حتى فرغت مخازن أسلحتنا ، فانسحبنا مسرعين نحو سياراتنا ، حيث استقل الأخ عمـــاد

_ رحمه الله _ سيارته وحده بصحبة سائقه الخاص ، وانطلقت أنا مع أفراد خليتي نحو السيارة الأخرى ، وهنا ظهرت حنكة القائد وجرأته ، حيث قام عماد _ رحمه الله _بعملية تغطية من خلال إطلاق النار في الهواء لتأمين انسحابنا ، حيث يظن العدو بأن إطلاق النار عليهم لا زال مستمراً فلا يستطيعون النهوض من سيارتهم فضلاً عن إطلاق النار .

في أثناء عملية الانسحاب كان عماد يسير بسيارته أمامنا بسرعة خيالية ، وكانت طبيعة الأرض طينية ، مما جعل سائقنا لا يكاد يرى إصبع يده من شدة الغبار المنبعث من سيارة عماد فانقلبت بنا السيارة ، ودخلت بين أشجار الزيتون ، وأصبحت رأساً على عقب ، وعلى الفور أمرت أفراد الخلية بكسر نوافذ السيارة والخروج بسرعة .

كان الأمر مرعباً وخطيراً ، وقد غلب علينا الظن أن العدو يتعقبنا ، ولا مناص من الوقوع بقبضته ، أو تصفيتنا .

وفي هذه اللحظات الحرجة تدخلت عناية الله ، فسقطت البندقية ولأول مرة من يد الأخ عماد أثناء إطلاقه النار ؛ لتكون سبباً في نجاتنا ، فلم يكن يعلم بما حدث معنا ، فأمر سائقه بالتوقف والرجوع لأخذ قطعة السلاح التي سقطت من يده ، وفي أثناء رجوعه شاهدنا ، فاقترب منا ، وانبطح أرضاً ، وأمرنا بأن نستقل سيارته ، بينما أخذ هو يطلق النار بشكل متقطع باتجاه سيارة الشرطة المتوقفة تماماً عن الحركة ، حيث كانت المسافة بيننا وبين سيارة الشرطة لا تتجاوز المائتي متر حينما انقلبت بنا السيارة ، ولولا عناية الله وعودة الأخ عماد لأخذ بندقيته لتمت تصفيتنا جميعاً ، حيث جاءت على الفور تعزيزات الجيش من المعسكرات القريبة من المكان .

وفي أثناء الانسحاب استمر عماد في إطلاق النار للتغطية ، وهو يصرخ بأعلى صوته ( نحن كتائب القسام ) من أجل أن يعلم الناس أن هذه العملية من صنع الكتائب _ فقد كنا نعاني من تبني بعض الفصائل الأخرى لعملياتنا العسكرية _ .

وصلنا إلى المدخل الجنوبي لمدينة غزة ، وبعدها توجهنا إلى حيث انطلقنا من قواعدنا لنشاهد ما أثار استغرابنا ودهشتنا ، حيث وجدنا الحصان الذي كنا نركبه ينتظرنا عند المكان الذي أخذناه منه في منطقة أم الليمون التي تبتعد عن مكان العملية أكثر من ثلاثة كيلو مترات.

بعد أن وصلنا إلى قاعدتنا وأصبحنا في مأمن ، أخذنا نضمد جراحنا البسيطة التي أصبنا بها أثناء انقلاب السيارة ، أما الأخ عماد _ رحمه الله _ فقد أصيبت ( قُصِعَت ) يده جراء سقوط البندقية منها أثناء إطلاق النار ، وبقيت تؤلمه حتى استشهاده رحمه الله .

عندما عاد عماد لقاعدته الخاصة به ، أصدر من هناك بياناً أعلن فيه مسئولية كتائب الشهيد عز الدين القسام _ الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية " حماس " _ عن تنفيذ هذه العملية البطولية .بينما اعترفت إذاعة العدو بإصابة اثنين من أفراد الشرطة أحدهما في حالة خطرة ، وحملت مسئولية هذه العملية لكتائب القسام _ جناح حماس العسكرية _ .

 

 

أعلى


 

الحلقة الثانية :

عملية الزيتون البطولية :

 

على أثر العملية البطولية التي قمنا بتنفيذها على الخط الشرقي لمدينة غزة ، قامت قوات العدو بإجراءات أمنية مشددة في جميع المناطق المجاورة لمكان العملية ، وقامت بتسيير دوريات عسكرية محمولة بجيبات عسكرية صغيرة كنا نطلق عليها اسم " الطرّاد " ويستقله ثلاثة جنود في الغالب ، وتكون مهمة هذه الدوريات الصغيرة استطلاع واستكشاف مستمر لمداخل الشوارع التي تقع ضمن مسئوليتهم ومنافذها .

وفي ذات يوم كنا على موعدٍ مع القدر حين توافدت إلينا معلومات من العيون القسامية الساهرة على أمن هذا الوطن تفيد بمرور دورية جيب صغير كل يوم ، فصدر الأمر من الأخ عماد _ رحمه الله _ بمراقبتها بشكل دقيق ، ورصد كل تحركاتها ، وبالفعل تم ذلك وجاءت نتائج الرصد مشجعة جداً ، وقد بدت السعادة على وجه الأخ عماد لدى سماعه بهذه الأنباء والتي كان فحواها أن الجيب العسكري الصغير يأتي كل يوم من ناحية الخط الشرقي لمدينة غزة ، ويتجه غرباً من الشارع المقابل لمسجد مصعب بن عمير ، ثم يدخل في الأزقة الفرعية المطلة على حي الشجاعية ، ليعود من جديد باتجاه الخط الشرقي ، وهكذا كل يوم .

على إثر هذه المعلومات تم عقد عدة اجتماعات ، وتم وضع العديد من الخطط العسكرية ، لكن القائد عماد _ عليه رحمة الله _ لم يعتمد أياً منها ، حيث أصر أن يقوم بنفسه بمعاينة مكان العملية ، ومشاهدة الهدف مباشرة ، وتحديد المكان المناسب لتنفيذ العملية ، وقد تم ذلك فعلاً ، واستقر الأمر على وضع الخطة العسكرية التنفيذية على النحو التالي :

وضع الخطة العسكرية :

كانت الخطة العسكرية مبنية أساساً على نصب كمين محكم من الناحية الشمالية للشارع الذي تمر منه الدورية باتجاه مسجد مصعب بن عمير،حيث إن الشارع محاط " ببيارة" كثيفة الأشجار ومحاطة بضلوع الصبر الكثيف ، وكانت الخطة تقضي بأن يكون الكمين خلف باب البيارة الكبير _ والذي يعتبر بمثابة ساتر أمني للمهاجمين عند إطلاق النار _ وعند اقتراب الدورية منا مسافة ثلاثة أمتار فقط نخرج من خلف الباب ونباغتها بالهجوم بالأسلحة الرشاشة ، وذلك بعد أن نتلقى الإشارة من الأخ المكلف بالرصد فوق سطح مسجد مصعب بن عمير .

كانت الخطة تقضي بأن يتم القضاء على أفراد الدورية جميعاً واغتنام أسلحتهم وعتادهم ، والانسحاب إلى القواعد التي انطلقنا منها .

تجهيز العتاد المطلوب لتنفيذ العملية :

استقر رأي الأخ عماد _ رحمه الله_ على اختيار رشاش من نوع " إم 16 " وقطعة سلاح أخرى من نوع " كلاشن كوف " يحملها الأخ الثاني الذي سينفذ العملية إلى جانب الأخ عماد ، وكان بحوزة عماد ستة أمشاط من الذخيرة كالعادة ، في حين كان مع المجاهد الآخر مخزني ذخيرة فقط ، وقد تم اختيار سيارة من نوع بيجو 504 لتنفيذ الهجوم ، والانسحاب بها من ساحة العملية .

يوم تنفيذ الهجوم :

طلب الأخ القائد عماد _ رحمه الله _ مقابلتي قبل موعد الهجوم بيوم واحد ، وبالفعل تم اللقاء بيني وبين الأخ عماد ، فأخبرني بأن أحد الإخوة المدربين في الخارج تدريباً جيداً ، وعلى أعلى المستويات سوف يقوم بالعملية بدلاً مني ، كان الأخ عماد يتحدث معي بحذر متوقعاً رفضي ، أو امتعاضي . والحقيقة أنني تضايقت ، ولكنني امتثلت لأمر القائد ، وكنت الجندي الملتزم المطيع ، وقلت للأخ عماد _ رحمه الله _ إننا جميعاً نتعاون ونعمل من أجل هدف واحد ولا مانع من أن تتقدم الكفاءات الجيدة ، فالمهم هو تحقيق النصر ، وقتل الجنود والظفر بسلاحهم .

ظهر على وجه الأخ عماد رحمه الله ارتياحاً شديداً وهو يسمع الرد الذي صدر عني ، وأمرني بأن أكون بانتظاره غداً بعد الفجر مباشرة في قاعدتنا في منطقة أم الليمون المحاذية لخط الانسحاب ؛ لأراقب الطريق وأستلم منه السلاح الذي سيغنمه  من الجنود القتلى بعد تنفيذ العملية ، وأحتفظ بها في مخازن أنشئت خصيصاً لهذا الغرض ،  وطلب مني أن أرسل قطعة

" كلاشن كوف " مع مخزنين للذخيرة ، والتي سينفذ بها المجاهد الثاني العملية بجانب عماد ، وبالفعل تم عمل ذلك على أكمل وجه .

ومع بزوغ فجر يوم الأحد الموافق 12/9/1993 م كان ملك الموت يستعد بأمر ربه لانتزاع أرواح ثلاثة من أبناء القردة والخنازير ، حيث كانوا على موعد مع عماد الذي طالما تجنبوا لقاءه ومواجهته ، حيث صرح أحد جنرالات العدو في إحدى المؤتمرات الصحفية : بأن جنوده يخشون مواجهة عماد عقل ليلاً .

مرّ بي القائد المظفر _رحمه الله _ فجر ذلك اليوم ليتأكد من وجودي في مكاني الذي أمرني بالانتظار فيه ، فسلم علي ودعوت له بالنجاح والتوفيق والسداد ، وطمأنته بأن كل شيء على ما يرام ، ثم انطلق من عندي لتنفيذ الهجوم بصحبة الأخ المجاهد / م ز _ فك الله أسره _ حيث إنه معتقل لدى العدو الصهيوني بالسجن المؤبد ثلاث مرات _ .

وصل القائد عماد والمجاهد م ز إلى مكان تنفيذ الهجوم في تمام السادسة صباحاً، فترجل الفارسان بأسلحتهما وأخذ كل منهما موقعه المناسب لإطلاق النار بسهولة ويسر على الهدف القادم ، في حين صعد سائق السيارة الأخ المجاهد ب ع إلى سطح المسجد من أجل المراقبة ، بعد أن ركن سيارته في مكان آمن بعيداً عن مرمى إطلاق النار .

وبعد لحظة بدت بشائر النصر تهلهل من بعيد ، وجاء الصيد الثمين يتدرج نحو شباك الصيد التي أعدت له وهو لا يدري ، فأبصرته عيون الصقر المحلق فوق سطح المسجد ، فأعطى إشارة البدء ، وكانت عبارة عن صفارة مميزة ، فأخذ القائد عماد والمجاهد م أعلى درجات الاستعداد والحذر تأهباً للبدء في الهجوم .

كان ذلك في تمام الساعة التاسعة والنصف صباحاً بالتوقيت المحلي ، وبعد أن أعطى المجاهد ب إشارة البدء نزل مسرعاً وتوجه نحو سيارته ، وأدار محركها ليكون مستعداً للانسحاب .

اقترب الهدف وهو يتبختر كعادته ، وما هي إلا لحظة بسيطة حتى تراءى له الموت الزؤام من خلف بوابة البيارة ، وصرخات الله أكبر تعلو صوت الرصاص ، ليمتزج معها صرخات الجنود داخل الجيب ، وهنا تتوقف بندقية المجاهد م ز ، ليتولى القائد المقدام عماد _ رحمه الله _ وحده إدارة العملية ، وهو يركض خلف الجيب لأكثر من مائة متر وهو يطلق النار من مسافة لا تزيد على ثلاثة أمتار في عناد عجيب وإصرارٍ لا يلين على تحقيق هدفه وهو قتل الجنود الثلاثة ، والحصول على أسلحتهم . وفي أثناء إطلاق النار توقف الجيب العسكري حين ارتطم بباب المسجد ، ووقع سائقه على الأرض فتقدم إليه جزار اليهود  _ عماد _  ليوجه بندقيته نحو رأسه فيأخذ الجنـدي بالصراخ والعويل راجياً عماد ألا يقتله ، ولكن كيف ؟ فعماد متعطشٌ لدمه ، وهو يستشعر قول الله تعالى " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير "   التوبة "73" ، والتحريم "9"

 عاجله عماد برصاصة أخرجت دماغه من قعر رأسه ، حتى تطايرت أجزاء من دماغه النجس على قميص عماد ليشهد له أمام الله عز وجل بقتل اليهود ، حيث كان رحمه الله يردد دائماً ( إن قتلي لليهود عبادة أتقرب بها إلى الله ) .

بعد أن فرغ عماد_ رحمه الله _ من قتل سائق الجيب توجه بسرعة نحو باقي الجنود، وأخذ يطلق رصاصة مباشرة على رأس كل واحد ، حتى تأكد من قتلهم جميعاً ، ثم قام بسحب سلاح الجندي الأول والثاني وأخذ يفتش عن سلاح الثالث دون جدوى حيث كان الجندي الثالث متكئاً عليه بعد مقتله ، ولأن الوقت ليس في صالح عماد فقد قرر ترك البحث عن البندقية الثالثة ، والانسحاب فوراً خشية وصول إمدادات عسكرية صهيونية .

في هذه اللحظة افتقد القائد عماد المجاهد م ز ، فلم يعثر عليه ، فأخذ يصرخ عليه ، حيث تملكه خوف من أن يكون قد أصيب أو قتل ، ولكن الأخ عماد أدرك أنه في خطر حقيقي بسبب طول المدة الزمنية التي استغرقها الهجوم ، فقرر الانسحاب من المكان بسرعة ، أما الأخ م فقد ترك سلاحه بجوار ضلوع الصبر الكثيفة وانسحب بمفرده ، فضلّ الطريق ، ولولا عناية الله أن سخر له بعض الشباب فساعدوه حتى توارى عن الأنظار ، لوقع في مأزق حرج .

في هذه اللحظة كنت في أشد الحيرة والقلق ، وأنتظر بفارغ الصبر قدوم المجاهدين ، وذلك بسبب طول المدة التي استغرقتها العملية ، ولم يطل قلقي وانتظاري ، فقد أطل الفارس من بعيد يحمل معه شواهد النصر ، وغنائم المعركة ، فسلمني البندقيتين اللتين غنمهما بعد قتل الجنود ، وهما من طراز إم 16 ، وقال لي سأراك لاحقاً ، وانطلق مسرعاً ليكمل انسحابه باتجاه قاعدته الآمنة في منطقة الرمال الجنوبي ، ثم قمت بإخفاء البندقيتين في المخزن الذي خصص لهم ، وفي اليوم التالي قابلت الأخ عماد فأخبرني بتفاصيل ما حدث ، وقد بدا قلقاً على الأخ م ز ، وأخبرني بأن الأخ م ز قد ترك سلاحه تحت ضلوع الصبر ، ولم يتمكن من تحديد مكانه بالضبط ، ومن المرجح أن اليهود قد عثروا عليه أثناء تمشيط المنطقة ، ثم طلب مني أن أقوم بتصوير البندقيتين وتسجيل أرقامهما العسكرية ، وتسليمها إياه من أجل كتابتها في البيان العسكري الذي سيصدره للإعلان عن تبني العملية ، وبالفعل تم ذلك ، وقام بصياغة البيان العسكري متضمناً اعتراف كتائب القسام عن تنفيذ هذا الهجوم البطولي ، وكذلك صورة البندقيتين ورقمهما العسكري ، وذلك من أجل قطع الطريق على بعض التنظيمات التي كانت معتادة على سرقة بعض العمليات البطولية التي كان ينفذها أبطال القسام .

في اليوم الثالث لتنفيذ العملية قمت باستكشاف الموقع الذي بدا دماراً ، حيث قامت قوات الاحتلال بهدم غرفتين مبنيتين في البيارة المجاورة ، وتجريف المئات من أشجار البرتقال والزيتون ، كما قاموا بتجريف أرصفة الصبر في المكان ، كما كانت هناك دورية راجلة مكونة من 12 جندي تجوب المكان ذهاباً وإياباً .

انتظرت حتى ابتعدت الدورية ، وقمت بعملية بحث سريعة ويائسة عن قطعة السلاح التي ألقاها الأخ م ز ، وفي أثناء البحث ارتطمت يدي بقطعة السلاح المدفونة بين ضلوع الصبر ، فوضعتها تحت معطفي وانطلقت بها مسرعاً مع أحد الإخوة الذي كان ينتظرني بسيارة في مكان قريب ، وعدت مسرعاً إلى القائد عماد رحمه الله ، وأخبرته نبأ عثوري على قطعة السلاح المفقودة ، فطار فرحاً بهذه البشرى ، وحيا جهودي وإصراري من أجل العثور على هذه القطعة التي كان سعرها مرتفعاً جداً في ذلك الوقت ، وكان العثور على السلاح مهمة شاقة ومتعبة ، فقد كان السلاح في ذلك الوقت بالنسبة لنا أغلى من الغذاء والماء والهواء

طلب مني الأخ عماد لقاءه من أجل استنباط الدروس والعبر ، وتشخيص مواطن الخلل ومعالجتها من أجل تلاشي مثل هذه الأخطاء في عمليات أخرى قادمة ، وهنا تجدر الإشارة إلى أن مواطن التدريب تختلف كثيراً عن ميادين المواجهة الحقيقية ، لذا يجب على المجاهد المستجد عسكرياً _ وإن كان مدرباً تدريباً جيداً _ أن يأخذ أدواراً ثانوية في عمليات عسكرية  يشارك فيها حتى يتمرس على فنون القتال ، ويستطيع بالتدريج أن يخوض غمار المواجهة ، والأهم من كل هذا هو ضرورة كسر حاجز الخوف لدى الإخوة المجاهدين الجدد ، فصوت إطلاق النار ، وصراخ الجنود ، وصيحات الله أكبر وصور القتلى والجرحى . كل هذه الأمور ليست بالأمر الهين البسيط  ، فلا داعي لأن نخدع أنفسنا ، ونتهاون في الأمر ، بل تحتاج هذه الأمور إلى ممارسة ودراية بفنون المقاومة والقتال ، هذا إن أردنا أن ننجح في تحقيق أهدافنا ولا نقع في أخطاء قد تودي بحياة الإخوة المجاهدين ، فلولا عناية الله وتوفيقه ، ثم الشجاعة غير العادية التي أبداها القائد_ عماد رحمه لله _ لقتل نتيجة الانسحاب المبكر للأخ م ز ، وتركه الأخ عماد وحده في المعركة ، فأخطاء العمل المسلح ليست كأي أخطاء أخرى ، فغالباً ما تكون نتيجتها قاتلة ، لذا يجب أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر أثناء تأدية الواجب العسكري المسلح .