عملية خطف
( ألون كرفاني )
في الخامس عشر من شهر يوليو لعام 1992م روى القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام الشهيد الحافظ لكتاب الله ( ياسر النمروطي ) بدمائه الطاهرة ثرى أرض الرباط الحبيبة ، ليرقى شهيدا عند ربه .. لم يمت .. بل بقي حيا في النفوس المؤمنة و بقيت ذكراه العطرةو أطيافه و روحه وصية للجهاد و الشهادة و بقي أبو معاذ معان تتألق في نفوس كل من عرفه و من سمع به ناهيك عمن عايشه من أبناء القسام .. أولئط الذين يدركون معنى الأخوة في الله فما كان لدماء قائدهم أن تذهب أدراج الرياح ، و ما كان استشهاده ليمر دون أن يراق دم يهود .. نعم هيهات هيهات لمن أحبوا قائدهم أن يسكتوا و يبكوا بكاء العجزة بقد صاحوا بأعلى صوت الجهاد الجهاد .. الثأر الثأر .. ليعلموا العالم أجمع و اليهود خاصة أن دماء المسلمين غالية جدا و أن أبناء القسام لا يمكن أن تذهب دماؤهم دون عقاب ثم ليخبروا القاصي و الداني أن عزة هذه الأمة و كرامتها لا بد أن تعود غالية مصونة .. وهم بذلك الفعل إنما يجسدون سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم عندما أقسم أن يثأر لحمزة من سبعين رجلا من صناديد قريش و لم يقلها لصحابي آخر .
نعم يا أبا معاذ .. ما كان ليمر يوم استشهادك دون أن يدفع بنو يهود الثمن ، هذه المقولة لم تكن شعارا أجوفا قيل لحظة غضب أو ثورة بل كانت قسما أخذ به أبناء القسام به عهدا على أنفسهم بالثأر كيف لا و أبو معاذ قدم روحه فداء لإنقاذ اثنين من إخوانه القساميين فضرب مثلا يحتذى به للتضحية و الفداء و رسم في النفوس أسمى معاني الأخوة الصادقة .. فكان هو و إخوانه قدوة حسنة للرجال الذين نشأوا في رحاب الإخوان .. و تربوا على وعي بمعنى الأخوة و جسدوا بيعتهم لله ووفائهم بها .. تماما كما تربوا على فن القتال والجهاد هؤلاء هم شباب الإخوان و أحفاد القسام و أبناء الياسين و جنود شحادة و إخوان السنوار .. هؤلاء هم الذين أقسموا بالله على الثأر فبادروا بعمليتين انتقاما من بني صهيون .
أولاهما : هجوم مسلح على جيب عسكري في جباليا يوم السبت الموافق 17/7/1992م ثم الهجوم على دورية عسكرية بالرصاص و الزجاجات الحارقة و النيران و قد اعترف العدو بمقتل جندي و إصابة آخر .
ثانيهما : هجوم مسلح على موقع عسكري للجيش غرب معسكر القطاطوة غرب مخيم خانيونس ولقد اعترف العدو بإصابة ثلاثة من جنوده و تم هذا الهجوم الساعة التاسعة و النصف مساء بالتوقيت الصيفي و استمر نحو عشرين دقيقة سمعت به جميع أرجاء خانيونس من أول خزاعة شرقا إلى حدود رفح الشمالية وصولا لأطراف دير البلح الجنوبية و كان هذا الهجوم الثاني في أواخر شهر 7/92 م و بالرغم من ذلك لم يكتف الأبطال بهاتين العمليتين كرد على استشهاد الرقيب أبو معاذ
و من هنا كان التفكير الدائم بعملية ذات وقع شديد في نفسية العدو و أزلامه عملية تكون ردا قاسيا و عنيفا تسقط في قلوب العسكريين قبل المدنيين الرعب و الرهب من جنود الإسلام و لتخبر الأعداء من هم كتائب القسام ليظل الألم و الخوف مدة أطول ، فكان التفكير في الاختطاف ... لتبقى صورة ( الشراتحة ) ماثلة أمام أعين الأعداء تجسد لهم محمد نصار جديد بعقل شحادة و جرأة السنوار و كأنما امتزجت هذه النماذج و انصهرت جميعا في شخصية كل فرد من أبناء القسام ممن تربوا على أيدي هؤلاء العمالقة و هذا بالفعل ما أكده أحد هؤلاء الأبطال الذين خططوا للعملية و لكن القدر منعه من المشاركة فيها .
فكرة العملية و فترة الإعداد لها
ذكرنا سابقا أن فكرة خطف الجنود كانت بمثابة القرار الأكيد للرد على استشهاد الرقيب ( ياسر النمروطي ) لهذا بدأ الإعداد لهذه العملية و كانت تقوم فكرة العميلة على أساس خطف جندي على الأقل و إخفائه ثم المساومة عليه و لقد أخذ الإعداد لهذا الأمر كثيرا من الوقت و بعد دراسة مستفيضة حيل دون تنفيذ العملية بهذا الأسلوب كما حدث في عملية خطف ( نسيم طوليدانو) و ذلك لعدة أسباب :
1- كان لا بد لإتمام ذلك من وسائل التنكر و تخفي و هذه لم تكن متوفرة بما فيه الكفاية حيث كان البحث عن شخصيات تميل إلى البياض و ملتحية و تجيد اللغة العبرية أو يعضها على الأقل و كذلك الحاجة لشخص متمكن جدا من العبرية ليقول الحديث و إضافة لذلك نحتاج لسيارة تصلح لأن تكون سيارة إسرائيلية مع أرقام صفراء
2- صعوبة الخطف و المساومة تتمثل في الآتي
3- عدم توفر مكان لإخفاء الجندي حتى تتم المساومة عليه
4- ضيق مساحة القطاع و سهولة محاصرته و من ثم سيتم التفتيش و إن لم يعثروا على الجندي نفسه فقد يعثروا على الجندي نفسه فقد يعثروا على مطاردين لمنظمة فتح و الجبهة الشعبية و هذه كان لها أكبر الأثر في عدم الإقدام على الخطف و المساومة ... علما بأن مطاردي القسام في تلك الفترة لم يكونوا سوى أربع مطاردين أما الباقين فكانوا في الضفة الغربية .
5- لم يكن هناك إمكانية لإخراج الجندي المخطوف من غزة إلى الضفة إضافة لسرية العملية الشديدة و التي لم يكن يعلم بها إلا الذين نفذوها ... إلى درجة أنها مركزية الجهاز لم تكن تعلم بها مما حال دون تقديم أي مساعدة للمجموعة المنفذة حتى من الجهاز نفسه
لطيفــة :
المسلم رجل دعوة و وحدة أينما كان و حتى في أشد لحظات عمره يبقى هكذا فالبرغم من الحزن الشديد على فقدان قائد الكتائب فلقد تزامنت فكرة العملية أيضا مع استشهاد اثنين من صقور فتح في مدينة رفح في 19/9/1992 م أي قبل التنفيذ بيومين و رغم أن دماء إخواننا الذين سقطوا في أعمال إطلاق نار عليهم من صقور فتح خاصة في خانيونس و رفح و كذلك في غزة و الضفة و رغم ذلك اتفق الأخوة المشاركون في العملية في آخر لحظة قبل التنفيذ أن يعلنوا أن هذه العملية جاءت ردا على استشهاد أبناء صقور فتح الاثنين في مدينة رفح و لكن الإنسان خلق عجولا .. يريد الكسب بأي وسيلة و هذا ما فعلته عناصر الصقور فلقد أعلنت فتح أن صقورها قامت بتنفيذ العملية و جاء في الإعلان أن الوحدة السرية في صقور فتح هي المسئولة عن العملية انتقاما لشهداء صقور فتح لذا تم إلغاء الاتفاق السابق و أعلنت الكتائب مسئوليتها عن العملية دون الإشارة إلى أنها بسبب الانتقام للصقور علما بأن هذه العملية ليست الوحيدة التي تبناها الصقور دون وجه حق و هذا ما سنوضحه في مكان لاحق إن شاء الله تعالى من هذا البحث مع إيضاح الدوافع من وراء هذه السياسة في تبني عمليات القسام و هذه العملية بالذات .
كيفية التخطيط و الإعداد
للعملية حتى اللحظة الأخيرة
بعد دراسة الخطة الموضوعة و العمل الميداني تم الاتفاق أن يكون يوم الجمعة الموافق 18/9/92م موعدا لتنفيذ العملية مع ملاحظة أنه قد سبق هذا اليوم أي يوم الخميس إضراب شامل دعت إليه ( حركة المقاومة الإسلامية حماس ) .
حينما عرضت فكرة العملية على المجموعة المختارة لتنفيذها أبدى الجميع رغبة جامحة للقيام بهذه البطولة و لو كلفهم ذلك حياتهم و بعد دراسة وضع كل أخ على حدة تم اختيار الأبطال الذين سينفذون العملية و هم :
الأول : الأخ المجاهد / ( مصطفى رمضان ) طويل أبيض البشرة يميل للشقرة و هو سائق متمكن .. ملتحي .. إذا ما وضع قبعة المتدينين اليهود ( الكيب ) لا يمكن تمييزه هل هو يهودي أو مسلم و لكن عيبه الوحيد أنه لا يتكلم العبرية .
الثاني : الأخ المجاهد ( عاطف حمدان ) قصير ذو شارب يجيد اللغة العبرية و بطلاقة يبدو عليه بعضا من الشيب في رأسه و إذا وضع قبعة المتدينين من اليهود و لبس بنطال قصير ( شورت ) يبدو عليه كأنه يهودي من أصل شرقي .
الثالث : وهذا هو البطل الذي دخل الساحة في آخر لحظة قبل التنفيذ وهو الأخ المجاهد ( جمال موسى ) طويل القامة ، أشقر البشرة و الشعر يمكنه التنكر في شكل يهودي بسهولة شديدة أو رجل غربي ة لهذا البطل قصة لا بد من ذكرها و هي أن هذا المجاهد كان معتقلا حتى عصر يوم الخميس 17/9 و خرج بعد عصر ذلك اليوم و عرضت عليه العملية و قبل أن يصل إلى بيته حتى يعطي رأيه و يدلي بنصيحته و كان الغرض من ذلك هو رفع معنويات ذلك المجاهد و هنا تجسدت روح الجهاد الحقة و ظهر المعدن الإخواني الرائع فلقد ذكرنا مجاهدنا جمال موسى برجال دُعوا للجهاد فقالوا لبيك و سعديك و رددوا اليوم نلقى الأحبة محمدا و صحبه .
نعم كان الغرض من إبلاغه رفع معنوياته و إذا به أشد الأخوة حماسا واستعدادا و رغبة في تنفيذ تلك العملية فأخذ يؤكد أن شكله و بنيتته و معرفته لبعض العبرية قد يساعد في نجاح الخطة و بالفعل استطاع مجاهدنا البطل أن يقنع المخططين لأن يكون ثالث ثلاثة باعوا الدنيا و اشتروا الآخرة .
و كان حقا علينا أن نسطر ذلك الموقف لندلل على عظمة التربية التي هؤلاء القساميون ، الذين عشقوا الجهاد و الاستشهاد فلقد آثر مجاهدنا العودة إلى الميدان قبل أن يرى أهله و بيته إنهم نتاج المدرسة الإيمانية التي أسسها إمام المجاهدين ( محمد صلى الله عليه و سلم ) ثم جاء مجدد هذا الزمان الإمام الشهيد حسن البنا ليرسخها لهم في رسالة الجهاد و يذكرهم بما ورد في سيرة سيد المرسلين و ما قاله عن حنظلة .. و غسيل الملائكة له بعدما خرج للجهاد ليلة زفافه و كذلك ( عمير بن الحمام ) الذي اعتبر أكل التمرات حياة طويلة تحول بينه و بين الجنة و من بعد هؤلاء رجال ضربوا أروع الأمثلة نذكر منهم ( عبد الرحمن السندي ) رئيس التنظيم السري للإخوان المسلمين في مصر .. ذلك الرجل الذي تمكنت منه الرغبة الجامحة للجهاد سبيل الله فبلغت منه مبلغا جعلته يضحي بتعليمه العالي و يكتفي فقط بوظيفة بسيطة بشهادة البكالوريا في وزارة الزراعة على الرغم من تيسر حالته المادية كي لا يشغله تحصيل العلم عن إشباع هذه الرغبة المتمكنة منه و لم يثن من عزيمته أو حتى يخفف من حدتها إصابته بمرض القلب منذ ريعان شبابه و هو المرض الذي يسلب العزيمة من كل مريض يشعر به لذا اشتهر بأنه أقرب الأمراض إلى الموت و لكن الإيمان الصادق الذي وقر في قلب السندي فجعل من مرضه هذا زادا يقوي به حجته عند الإمام الشهيد ليتفرغ لأعمال الجهاد و كانت حجته بأن إخوانه الأصحاء أجدر أن يحملوا الدعوة بصحتهم أكثر منه ذلك أن موت أحدهم في العمليات العسكرية خسارة بينما لو كتب له الشهادة في العمل الجهادي فما هو إلا رجل مريض بالقلب و إن لم يمت في المعركة مات على فراشه بهذه الرمح الزاهدة في الدنيا و زخرفها استيقن هؤلاء النفر غربتهم في الحياة الدنيا بل أصبح يقينا جازما في عقيدتهم أنمهم ليسوا من أهلها فهفت نفوسهم إلى الجنة يشتمون ريحها في كل لحظة و هذا هو ميراث التربية الإسلامية التي ورثها أبناء القسام عن مدرسة الإخوان فلقد أثبت شباب القسام أنهم امتداد لذلك الجيل الرباني الذي عاف الدنيا و طلب الآخرة فكثير منهم أمضوا سنوات طوال في الاعتقال و لكنها لم تثنهم عن المضي في جهادهم و تضحياتهم فها هو القائد الأخ المجاهد صلاح شحادة يعاهد الأخوة فور خروجه من اعتقاله الأول أن لا يقر له بال حتى يخرجهم و بالفعل تحرك منذ اللحظة الاولى لخروجه من السجن بتشكيل الجهاز العسكري و كذلك الأخ المجاهد محمد نصار الذي أصر على أن ينفذ عهده منذ الأول بعد خروجه من السجن حيث ذهب إلى بيت الشيخ أحمد ياسين بعد الإفراج عنه في صفقة التبادل و هو الذي كان محكوما عليه بالسجن الفعلي لمدة 20 عاما يطالبه بالإسراع في الجهاد .
و نذكر الرمز الجهادي يحيى السنوار و أخيه محمد الشراتحة الذين حاولا الهرب من المعتقل مع أربعة من إخوانهم لمواصلة طريق الجهاد فقد رأوا أن جدار السجن لا يحجبهم عن الدنيا و زخارفها و مفاتنها بل إنه يحجبهم عن الجنة ... فشرعوا في نشر الجدار إلى أن تم نشره بالكامل و لكن قدر الله شاء أن تكتشف إدارة السجن هذا الأمر ليلة تنفيذ عملية الهروب و كان شعارهم أن لا يمكث في السجن أحد من إخواننا أكثر من ثلاثة أشهر إذا قد رلنا الهرب منه ، و كان لهذه الكلمات تأثيرها الفاعل فلقد سجلت كلماتهم بأحرف من نور في قلوب الكثير من أبناء الحماس و والقسام فكان من نتاجها الشهيد ( ياسر النمروطي ) و من بعده الشهيد الأسطورة ( زكريا الشوربجي ) الذي أمضى أحد عشر عاما رهن الاعتقال و كانت نفسه تتلهف إلى كسر جدار الزنازين لينطلق إلى رحاب الجنة الواسعة فما أن أفرج عنه بادر بالانضمام إلى كتائب القسام و كان دائم التفكير في كيفية إخراج إخوانه من المعتقل .
و لكن الله اجتباه و اصطفاه بالشهادة بعد المطاردة لتتحقق أسمىأمانيه و ليلحق بركب الشهداء مع النبيين و الصديقين و نحسبه كذلك .
ربما يعتقد البعض أننا ابتعدنا عن محور الحديث و لكن نقول إن هذه الروح التي تحدثنا عنها كانت صورة من صور الإعداد النفسي و الجهادي الذي حمله هؤلاء الأبطال بين جنباتهم و ترجمته جوارحهم و الذي رسم معالم شخصية أبناءالقسام حتى أصبحت مثالا يحتذى به .. بهذه التربية و هذه البطولة تلقى أبطالنا الثلاثة نبأ تكليفهم بالعملية فلبوا النداء فورا و اجنمعوا في مكان ما مع الأخ الرابع الذي كان من المفترض أن يشاركهم في العملية و كان لزاما أن تكون هناك تدريبات على عملية وهمية قبل التنفيذ الفعلي و بالفعل أحضر الأبطال سيارة ( بيجو 305 ) بنية اللون و تحمل لوحة أرقام صفراء يم تغطيتها بقطعة كرتون ليتسنى للمجموعة الوصول للشوارع العامة و التي يمكن أن تسير عليها سيارات إسرائيلية و مثل أبطال القسام دور بعض من قطعان المستوطنين و قام الرابع بدور الجندي الفريسة و كان بجوزة المجموعة مسدس و رشاش من نوع ( كارلو غوستاف ) و هو نفس السلاح الذي ترك في عملية جاني طال 30/1/1993م كما تزودوا ببعض الخناجر و السكاكين لقتل الجندي بها أما بقية الأسلحة فقد أخذت تحسبا لمواجهة مع قوات الاحتلال ... حيث كان هدفهم إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة في سبيل الله .
ملاحظة / تم الاستلاء على السيارة البيجو يوم الأربعاء الموافق 16/9 و بقيت بحوزة المجموعة حتى الجمعة صباحا بسبب الإضراب ثم تركت بعد العملية في إحدى المناطق في خانيونس دون لوحات أو أرقام .
و بعد مراجعة للخطة و مدى توافقها مع الواقع خاصة بعد العملية الوهمية رأى أبطالنا الثلاثة أن الوضع جاهز تماما لإتمام العملية الحقيقية ، بدأت الساعة تدق على أوتار قلوب أبطالنا و كأن الثانية ساعة و كأن الساعة شهرا جميعهم متشوق بل و متلهف لموعد البدء و كأنهم على موعد مع عزيز .
وصف سير العملية
أشارت الساعة إلى السابعة و النصف من صباح يوم الجمعة الموافق 18/9/92م و كان أبطال القسام كجواد السباق ينتظر سماع الإشارة لينطلق بكل قواه تجاه الهدف و بالفعل ركب الأبطال الثلاثة السيارة ( بيجو 305) ذات اللوحات الصفراء تغشاهم سكينة المجاهدين و يحدوهم الأمل بالنجاح و لا يتوقف قلبهم قبل لسانهم عن ذكر الله و الدعاء المتواصل بالتوفيق " اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا و أنت إن شئت تجعل الحزن سهلا فاجعل لنا كل صعب سهلا " .
و انطلقت السيارة باتجاه موراج بحثا عن الصيد ثم عرجوا على مستوطنة موراج علهم يجدوا هدفهم و لكن لا سبيل و هنا توجهوا نحو بحر خانيونس " شارع المستوطنات " مرورا بمستوطنة أبو دولح ثم جاويد و من بعدها جان أور و نفيه دكاليم ثم جان طال و أخيرا نيتسر حزاني حيث كان يقف على بابها جنديان ينتظران الركوب .. لكن الأخوة الأبطال لم يقفوا لهم لأسباب عدة ذكروا منها :
1- أنهما جنديان و لربما كانا يريدان التوجه لنفس المكان و هنا لا بد أن يركبا معا و هذا يجعل التحكم فيهما من الصعوبة بمكان و قد يؤدي إلى فشل العملية .
2- كان يبدو من ظاهر الجنديين أنهما لا يحملان سلاحهما و هذا أمر غير مشجع لأن من أهداف العملية جلب السلاح .
هنا أدرك أبناء القسام أن صيدهم ليس في هذا المكان فانطلقوا نحو مستوطنة غوش قطيف ثم باتجاه الشارع العام و عند مفترق العبادلة المعروف الآن غوش قطيف كادت سيارتهم أن تصطدم بسيارة مرسيدس محلية و هنا أخرج الأخ عاطف رأسه من الشباك و بدأ يكيل الشتائم بالعبرية على صاحب السيارة العربية و ذلك ليموه على حشد المستوطنين من المتطرفين اليهود ( لم يكن المتطرفون هدفا لهذه العملية ) و اتجهت السيارة بعد ذلك إلى غزة و بدأت دقات القلب ترتفع و الأعصاب تشتد لعدم وجود الهدف و كانت عجلات السيارة تدور كما أنها تدور في حلقة مفرغة و كلما زادت سرعة المحرك زادت نبضات الأبطال و بدا على الجميع الوجوم و الحزن ة السيارة تسير تجاه غزة تتخطى الحواجز العسكرية دون معوقات لأنها تحمل اللوحات الصفراء إلى أن وصل بهم المطاف إلى حاجز الجيش مقابل معسكر النصيرات على أرض مخيم البريج و فجأة لاح في الأرض صيد ..نعم .. إنه جندي من يهود .. و هنا فقزت القلوب من مسكنها فرحا بتحقيق أول العملية و المتمثل في وجود جندي يرغب في ركوب السيارة و استقرت السيارة أمام ألون كرفاني 21 عاما الذي كان يقف منتظرا مصيره و قفت المجموعة بسيارتها بعدما أشار لها الجندي و دار الحديث التالي :
الجندي : ( هل أنتم ذاهبون إلى عسقلان المجدل )
الأخ عاطف : ( لا – ولكن حاجز إيرز فقط )
و حبست الأنفاس و دقت ضربت القلب بشدة و استغاثت القلوب برب القلوب " اللهم لا سهل إلا ما حعلته سهلا " و مرت ثوان كأنها دهر ثم قال الجندي .. لا مشكلة و هنا دخل الصيد في الشرك ركب الجندي و أشار لزميله الواقف على باب المعسكر بالتحية مودعا و انطلقت السيارة بصيدها الثمين إلى منطقة القبة – شارع غزة الشرقي الواصل بين منطقة المغراقة – البوليس الحربي – و منطقة القبة – المنطار – ذلك الشارع الذي يوصل إلى ناحل عوز و حاجز إيرز و هنا أشهر أبطالنا المسدس على الجندي و سألوه :" أتعرفنا ؟ ..نحن جند القسام ، أبناء الياسين ، نحن إخوة السنوار و الشراتحة و ورثة نصار و المبحوح .. نحن جند الحماس .
و فجأة خر الجندي الأسطورة و بدأ يرتجف و يرتعد و يلطم على خديه مثلما تفعل النساء و حتى لا يلفت الجندي بتصرفاته هذه انتباه الآخرين كان لزاما أن يهدأ و يشعر بقليل من الأمان فقال له الأبطال :" لا تخف نحن نريد سلاحك فقط :" فبادر قائلا :" خذوه لا أريده :" و بدأ يتوسل دعوني أنا لي أم و أهل و حبيبة :" هنا فقط تذكر ذلك الخنزير آدميته و أن له أهل و أم و أحباب و جاء الرد الإيماني على لسان جند الإسلام :" ونحن أليس لنا أم و أهل و أحباب :" لماذا تقتلون شيوخنا و أطفالنا في حين أننا لا نقاتل إلا جنودكم :" و هنا تملص الحقير من ذلك :" و قال أنا لست محارب إنما أنا ميكانيكي في قسم الصيانة و أرجوكم دعوني ":.
بعد ذلك وصلت السيارة بركابها الأربعة إلى داخل بيارة و طلب القساميون من كرفاني خلع ملابسه و حذاءه عدا ملابسه الداخلية و ذلك خلق المسلمين واستجاب الجندي الذي لا يقهر بمنتهى المهانة و الذلة أمام قوة و عزة مجاهدينا ثم بدأوا بطعنه بالسكاكين حتى ظنوا أنه قد قتل و مات وبرغم وجود المسدس و الرشاش إلا أنهم لم يستخدموهما لسببين :
1- الخروج من منطقة الحادث دون أي ضوضاء .
2- أن للسكين أثر أشد رهبة في نفوس اليهود الجبناء و انتقاما لما حدث في صبرا و شاتيلا حيث عاث بنو يهود قتلا في أبناء شعبنا بالسكاكين و عاد المجاهدون الثلاثة بغنيمتهم يحملون بشرى انتصارهم لملايين لمظلومين و المصابين من أبناء شعبنا و عادوا شاكرين لله على فضله راجين أن يتقبل منهم عملهم ، عادوا منكسرين لله ، واثقين أن ستره و عونه وراء نجاحهم .
نعم ... عاد القساميون مسجلين ملحمة من ملاحم البطولة و الفداء التي لا يقوى عليها إلا جند الإسلام ، عادوا تغمر الفرحة كل جوارحهم بعدما شفى الله غيظهم و أغنهم بندقية ( أم 16 ) تحمل رقم 5142897 و هي القطعة التي استخدمتها الكتائب لاحقا في عملية جان طال كما سيأتي تفصيل ذلك لاحقا كما حمل أبطالنا معهم أوراق الجندي الثبوتية و بزته العسكرية و ورقتين نقد من فئة الدولار الأمريكي و الثانية ليرة لبنانية واحدة كما تم الاستيلاء على حقيبة متاعه و التي كانت تحوي شريط فيديو كاراتيه و شريط كاسيت و ساعة منبه حمراء إضافة إلى بعض الملابس .
لطائف
1- كان بالإمكان أن يصبح الصيد اثنين من اليهود ذلك أنه أثناء عودة الأبطال بعد انتهاء العملية قابلوا ضابط بحرية أو طيران يحمل سلاح عوزي و ذلك عند حاجز البوليس الحربي و لكن سائق السيارة من أبطال القسام لم ينتبه لهذه الغنيمة و ما ذلك إلا لانشغاله بحاجز شرطة كان موجودا يفتش في نفس المنطقة و كان جل همه أن يتخلص من هذا الحاجز و خاصة أنه لا يحمل أي أوراق ثبوتية للسيارة و نسي أخونا أن السيارة التي يركبها تحمل لوحات صفراء و لا تخضع لإجراءت التفتيش الجارية أنذاك و بالفعل أفلت الأخوة بسيارتهم من حاجز الشرطة و في نفس الوقت ضاع منهم صيد ثمين و لكنه قدر الله .
2- بعد انتهاء العملية شاهد بعض السكان المحليون جثة الجندي غارقة في الدم و تأكدوا بأنه يهودي فانطلقوا للشارع للإبلاغ عن ذلك و بالفعل مرت دورية جيش و تم إخبارها بذلك تحسبا من بطش الظالمين و لكن الجيش تباطأ في الإقدام على الذهاب لموقع الحادث و رفض دخول المنطقة خشية أن يكون شرك نصب لهم و تم الاتصال بالقيادة التي أرسلت سيارة إدارة مدنية و هو الذي قام بإسعاف الجندي و من بعده جاءت مروحية أقلت الجندي الجريح إلى المستشفى داخل الخط الأخضر بهذا انتهت العملية خلال ساعة واحدة عاد بعدها الأبطال إلى نقطة الانطلاق حاملين معهم غنيمتهم ثم وضعوها في المكان المخصص لهم ثم قاموا بإزالة اللوحات الصفراء عن السيارة و تركوها في أحد شوارع خانيونس لتعود ثانية إلى صاحبها .
إنه قدر الله ( بين نارين )
ذكرنا أن بطلا من أبطال القسام كان مفروضا له أن يشارك في العملية و لكن استبدل بآخر و هو الأخ جمال موسى و لكنه بقي معهم حتى انطلقوا إلى هدفهم و بعد عودته إلى بيته وجد أنه علىموعد مع قدر الله فلقد حضر الجيش إلى بيته بحثا عنه و عندما لم يجدوه عاثوا في بيته فسادا و تخريبا و أخبروا أهله أنهم يريدونه لأنه يقدم خدمات للمطاردين و هو ما كان قد علم به من قبل عندما سمع أن هناك اعترافات عليه بتقديم خدمات و مساعدات للمطاردين و أنه يوفر لهم المأوى .
و هنا كان التمحيص و الابتلاء فالبعض يقول أنه هذه تهمة تستر لا تتعدى فترة السجن عليها شهر واحد و البعض يقول أنها أقل أو أكثر و كان لزاما أن يختار هذا المجاهد بين التضحية بالسجن أو عدم تسليم نفسه للعدو ووضع مجاهدنا نفسه أمام ميزان الحق و بدأ يقارن بين المنافع و المفاسد و لم يكن سهلا اتخاذ القرار و لكن الإيمان الصادق بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا جعل هذا المجاهد يختار طريقه دون تردد .. نعم إنها لحظة اليقين التي فصلت الأمر … إن إلقاء القبض عليه له مفاسد كثيرة أهمها
1- عدم اليقين بما ستسفر عنه تحقيقات أجهزة العدو معه و أنهم يستخدمون كل أساليب التعذيب اللاإنسانية … فمن هنا يمكن أن يأتي بإخوة له في الجهاد مطاردين و غير مطاردين
2- أن الأمر على أحسن الظروف ستكون عاقبته السجن لمدة عام أو عامين على الأقل و هذا يعني أن الحاجز عن الجنة كبير و النفس تواقة للشهادة في سبيل الله .
و بيمنا مجاهدنا في هذا السيل العارم من التفكير إذ بإخوانه أبطال العملية يعودون ببشراهم إليه بنجاح العملية و كم كانت فرحته بنصر الله و هنا قرر البطل أن ينضم لإخوانه المطاردين لتبدأ حياة العز و الفخار .. حياة الجهاد و التشرد .. و طريق الجنة مليء بالأشواك و الصعاب ليطلق حياة الدنيا و زخارفها و مفاتنها و بدأ يردد اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة
نعم اختار مجاهدنا البطل طريق مقارعة اليهود .. فبدأ مع إخوانه التخطيط لضربة قادمةو معركة جديدة .. بعدما أضافوا لسجل المجد ملحمة تاريخية من ملاحم البطولة القسامية تحت راية الإسلام المظفر .
مفاجآت العملية
** المفاجأة الأولى / ": الجندي لم يمت :" !!
عندما عاد مجاهدوا القسام أخبروا إخوانهم أنهم قد قتلوا الجندي و لكن إذاعة العدو أذاعت أن جنديا أصيب بجروح بالغة بعد طعنه بسكين في عنقه و هنا كانت المفاجأة إذ الجندي لم يمت ! .. إنه قدر الله أن يعيش هذا الرجل و يمكن إرجاع عدم حدوث الوفاة لعدة أسباب مبعد إرادة الله :
1- لم تكن الطعنات كافية للقتل بالرغم من أنها كانت في الرقبة
2- سرعة إبلاغ السكان العرب القريبين من المكان و مساعدتهم له
3- سرعة حضور القوات الإسرائيلية و نقل المصاب إلى المستشفى بالطائرة
و هنا لا بد من ذكر مكر اليهود حيث ذكر أن الجندي لا يزال يعاني من شلل تام و أنه لا يستطيع النطق و هذا يعني في العرف الأمني إمكانية تضليل الطرف الآخر أي أن هناك كذب في التصريح بما يعني أنه بإمكان الجندي امصاب أن يعطي معلومات عن الفاعلين و عن كل الحيثيات التي تمت في العملية و من هنا كان لا بد أن يستعد الفرسان الثلاثة لحياة المطاردة و لينضموا إلى ركب المطاردين خاصة و أنهم أبلغوا الجندي أنهم أبناء القسام و حسب الإجراءات المتبعة في هذه الحالة فيمكن أن يعطي وصفا لأحد الثلاثة بما يمنح المتخصصين فرصة لرسم صورة له مما يقود المخابرات إلىالفاعلين